محمد بن جرير الطبري
8
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قال ابن زيد : فحدثني أبي زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس " قال : وقال أبو ذر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأَرض " وقال آخرون : الكرسي : هو العرش نفسه . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك ، قال : كان الحسن يقول : الكرسي : هو العرش . قال أبو جعفر : ولكل قول من هذه الأَقوال وجه ومذهب ، غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية ما جاء به الأَثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ما : حدثني به عبد الله بن أبي زياد القطواني ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن خليفة ، قال : أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : ادع الله أن يدخلني الجنة فعظم الرب تعالى ذكره ، ثم قال : " إن كرسيه وسع السماوات والأَرض ، وأنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع " ثم قال بأصابعه فجمعها : " وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله " حدثني عبد الله بن أبي زياد ، قال : ثنا يحيى بن أبي بكر ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن خليفة ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن خليفة ، قال : جاءت امرأة ، فذكر نحوه . وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه أنه قال : هو علمه ، وذلك لدلالة قوله تعالى ذكره : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما على أن ذلك كذلك ، فأخبر أنه لا يؤوده حفظ ما علم ، وأحاط به مما في السماوات والأَرض ، وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فأخبر تعالى ذكره أن علمه وسع كل شيء ، فكذلك قوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . وأصل الكرسي : العلم ، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب كراسة ، ومنه قول الراجز في صفة قانص : حتى إذا ما احتازها تكرسا يعني علم . ومنه يقال للعلماء : الكراسي ، لأَنهم المعتمد عليهم ، كما يقال : أوتاد الأَرض ، يعني بذلك أنهم العلماء الذي تصلح بهم الأَرض ؛ ومنه قول الشاعر : يحف بهم بيض الوجوه وعصبة * كراسي بالأَحداث حين تنوب يعني بذلك علماء بحوادث الأَمور ونوازلها . والعرب تسمي أصل كل شيء الكرس ، يقال منه : فلان كريم الكرس : أي كريم الأَصل ، قال العجاج : قد علم القدوس مولى القدس * أن أبا العباس أولى نفس بمعدن الملك الكريم الكرس يعني بذلك : الكريم الأَصل ، ويروى : في معدن العز الكريم الكرس القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما يعني تعالى ذكره بقوله : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما ولا يشق عليه ولا يعقله ، يقال منه : قد أدني هذا الأَمر فهو يؤودني أودا وإيادا ، ويقال : ما آدك فهو لي آئد ، يعني بذلك : ما أثقلك فهو لي مثقل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى بن إبراهيم ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما يقول : لا يثقل عليه . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما قال : لا يثقل عليه حفظهما . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما لا يعقل عليه لا يجهده حفظهما . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا